عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

28

اللباب في علوم الكتاب

ومن لا يكون مكلفا لا يجوز أن يذمّه اللّه - تعالى - على ما صدر منه ، فالمراد بقوله : وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ أنكم تغفلون عن حق أنفسكم ، وتعدلون عما لها فيه من النّفع . قوله : وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ مبتدأ وخبر في محلّ نصب على حال ، العامل فيها « تنسون » . و « التّلاوة » : التتابع ، ومنه تلاوة القرآن ؛ لأن القارئ يتبع كلماته بعضها ببعض ، ومنه : وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها [ الشمس : 2 ] وأصل « تتلون » : « تتلوون » بواوين فاستثقلت الضمة على الواو الأولى فحذفت ، فالتقى ساكنان ، فحذفت الأولى فوزنه « تفعون » . ويقال : تلوته إذا تبعته تلوا ، وتلوت القرآن تلاوة . وتلوت الرجل تلوا إذا خذلته . والتّليّة والتّلاوة « 1 » : البقية ، يقال : تليت « 2 » لي من حقّي تلاوة وتلية أي بقيت . وأتليت : أبقيت . وتتليت حقّي إذا تتبعته حتى تستوفيه . قال « أبو زيد » : « تلي الرجل إذا كان بآخر رمق » . قوله : أَ فَلا تَعْقِلُونَ الهمزة للإنكار أيضا ، وهي في نية التأخير عن الفاء ؛ لأنها حرف عطف ، وكذا تتقدّم أيضا على « الواو » و « ثم » نحو : أَ وَلا يَعْلَمُونَ [ البقرة : 77 ] أَ ثُمَّ إِذا ما وَقَعَ [ يونس : 51 ] والنّيّة بها التأخير ، وما عدا ذلك من حروف العطف فلا تتقدّم عليه ، تقول : « ما قام زيد بل أقعد ؟ » هذا مذهب الجمهور . وزعم « الزّمخشري » أن الهمزة في موضعها غير منويّ بها التأخير ، ويقدر قبل « الفاء » و « الواو » و « ثم » فعلا محذوفا ، فاعطف عليه ما بعده فيقدر هنا : أتغفلون فلا تعقلون ، وكذا أَ فَلَمْ يَرَوْا [ سبأ : 9 ] أي : أعموا فلم يروا ؟ وقد خالف هذا الأصل ووافق الجمهور في مواضع يأتي التنبيه عليها إن شاء اللّه تعالى . ومفعول « تعقلون » غير مراد ؛ لأن المعنى : أفلا يكون منكم عقل ، وقيل تقديره : أفلا تعقلون قبح ما ارتكبتم من ذلك . والعقل : الإدراك المانع من الخطأ ، وأصله المنع ، ومنه العقال ، لأنه يمنع البعير عن الحركة ، وعقل الدّية ، لأنه يمنع من قتل الجاني ، والعقل - أيضا - ثوب موشّى ؛ قال علقمة : [ البسيط ] 453 - عقلا ورقما يظلّ الطّير يتبعه * كأنّه من دم الأجواف مذموم « 3 »

--> ( 1 ) زاد في أ : يضمان . ( 2 ) في أ : بقيت . ( 3 ) ينظر الديوان : ( 51 ) ، المفضليات : ( 397 ) ، اللسان : عقل ، الدر المصون : ( 1 / 211 ) .